محمد بن جرير الطبري

79

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

خلق الله عز ذكره إياهما من خلقه في غير أوقات ولا ساعات ولا ليل ولا نهار . وإذ كنا قد بينا مقدار مده ما بين أول ابتداء الله عز وجل في إنشاء ما أراد انشاءه من خلقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سنى الدنيا ومده أزمانها بالشواهد التي استشهدنا بها من الآثار والاخبار ، وأتينا على القول في مده ما بعد ان فرغ من خلق جميعه إلى فناء الجميع بالأدلة التي دللنا بها على صحه ذلك من الاخبار الواردة عن رسول الله ص وعن الصحابة وغيرهم من علماء الامه ، وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا انا ذاكروه من تاريخ الملوك الجبابرة العاصية ربها عز وجل والمطيعه ربها منهم ، وأزمان الرسل والأنبياء ، وكنا قد أتينا على ذكر ما به تصح التاريخات وتعرف به الأوقات والساعات ، وذلك الشمس والقمر اللذان بأحدهما تدرك معرفه ساعات الليل وأوقاته ، وبالآخر تدرك علم ساعات النهار وأوقاته فلنقل الان في أول من أعطاه الله ملكا ، وأنعم عليه فكفر نعمته ، وجحد ربوبيته ، وعتا على ربه واستكبر ، فسلبه الله نعمته ، وأخزاه وأذله ثم نتبعه ذكر من استن في ذلك سنته ، واقتفى فيه اثره ، فاحل الله به نقمته وجعله من شيعته ، والحقه به في الخزي والذل ونذكر من كان بإزائه أو بعده من الملوك المطيعه ربها المحمودة آثارها ، أو من الرسل والأنبياء إن شاء الله عز وجل . فأولهم وامامهم في ذلك ورئيسهم وقائدهم فيه إبليس لعنه الله . وكان الله عز وجل قد أحسن خلقه وشرفه وكرمه وملكه على سماء الدنيا والأرض فيما ذكر ، وجعله مع ذلك من خزان الجنة ، فاستكبر على ربه